المهجر
The news is by your side.

حراك سياسي موقت في مصر مع وقف التنفيذ

كانوا على أهبة الاستعداد، ومن أدمنوا المطالبة بالتغيير، بغض النظر عن الواقع الأليم، كانوا سنوا الأسنان وأشهروا الأقلام استعداداً لهبد في حال البراءة أو رزع لو كانت هناك إدانة، إلا أن المشهد النهائي خرج ملخصاً الأحوال، ومختزلاً التوجهات، وعاكساً الفراغ السياسي المهيب والخواء الأيديولوجي المريع.
أراع حكم البراءة الصادر في حق الرئيس المخلوع (سابقاً) السابق (حالياً)، البطل الوطني (في نظر البعض)، المتهم المذنب (في نظر البعض الآخر) الذي لا بد أن يخضع لمبدأ «ارحموا عزيز قوم ذل» (في عرف فريق ثالث)، ملايين المصريين، ما فجّر ينابيع الغضب والبهجة والتفاؤل والتشاؤم والاستقواء والانهزام، وبشائر تسييس غابت عن المشهد منذ تقادمت ثورة كانون الثاني (يناير) ورُفع الستار عن راكبي موجاتها، وضحايا حماسها، وتفتت جزيئاتها.
فبين مرتاع فزعاً لما ارتأى أنه شهادة وفاة نهائية لثورة يناير، وإهدار بائن لشهدائها وانهيار كامل لأركانها، ومرتاع إعجاباً بقضاء اعتبره نزيهاً وحكماً نعته بالأمين لبطل عسكري وقائد وطني وصاحب 30 سنة إنجازات لم يهرب أو يجبن، ومرتاع آملاً بالمزيد من ملامح عودة لعصر كان أو معالم قفزة مرتدة لرموز هربت، غرقت البلاد في موجات من التنجيم والنحيب والتهليل والتنديد وهبات من التبكيت وزخات من التنكيت.
حتى التنكيت، سمة المصريين، تأرجح بعنف بين توقع استدعاء شهداء ثورة كانون الثاني (يناير) لمحاكمات عاجلة عقاباً لهم على إزعاج السلطات وتعنيفاً لهم بتهمة البلاغ الكاذب، وتكهن بنزوح جماعي لأبناء «مجيدة» (صفة باتت تطلق من معارضي الثورة للسخرية من ثورة يناير المجيدة) وأرامل الثورة وأيتام البرادعي وصباحي. وبعيداً من التنكيت هناك التبكيت. وتقف تغريدات المغردين التي أبقت على «مبارك» التريند الأقوى والأعلى على القائمة التغريدية على مدار 48 ساعة كاملة. فبين «مبارك ليس خائناً ولم يتمسك بالسلطة ولم يهرب كغيره وأثبت رغم مساوئ عهده أنه أعظم من الإسلامجية والثورجية وكل من يدعي أن مجيدة سلمية كاذب»، و «براءة مبارك آخر مسمار في نعش الثورة ورسالة من نظام السيسي للشباب أن الثورة فشلت. رحم الله الورد الذي فتّح في جناين مصر» و «مبروك البراءة من قاضي الدنيا وفي انتظار حكم قاضي الآخرة. مرسي رئيسي والإسلام منهجي» تتقاذف رياح التوجهات السياسية المتناقضة وأيديولوجيات الحكم المتباينة والفروق الفكرية الواضحة المصريين، أو على الأقل القلة القليلة التي ما زالت مهتمة بشؤون السياسة وأوضاع الحكم والمحكومين.
قائمة المحكوم عليهم بالبراءة في قضايا ظاهرها سياسي وفحواها جنائي بين نهب وفساد وإفساد وتبديد مال عام طويلة ومؤثرة. فمن رئيس الوزراء السابق أحمد نظيف، مروراً بوزراء الداخلية والبترول والإسكان والإعلام، وانتهاء بوزير السياحة ومن بعده رئيس الجمهورية، أطلق عنان التفكير والتحليل والتفنيد. جماعات «آسفين يا ريّس» على اختلاف مكوناتها وأسبابها بين مصالح كانت ومشاعر دامت، ومجموعات كانت تدعم رئيس الوزراء السابق الفريق أحمد شفيق رئيساً لمصر (وربما ما زالت)، وحزم آمنت بحمدين صباحي زعيماً ثورياً، وأخرى بالدكتور محمد البرادعي قائداً ملهماً، وثالثة بالناشط والمحامي خالد علي قدوة مزمنة، ورابعة اعتقدت إنها ستحيا كراماً تحت إمرة المحامي المتحوّل شيخاً وداعية حازم أبو اسماعيل، وخامسة تربت في كنف جماعة «الإخوان المسلمين» وعلى عهد إعادة الشرعية وفك أسر الرئيس المخلوع بإرادة شعبية الدكتور محمد مرسي باقية، بالإضافة طبعاً إلى الثوريين، تعود هذه الأيام إلى حراك سياسي تبخر في هواء الإنهاك الشعبي والإلهاء الحزبي وفقدان الشهية الجمعي للمزيد من الهري السياسي والجدل السفسطائي والسجال النظري بين أيديولوجيات رأسمالية وأخرى اشتراكية وثالثة إسلامية ورابعة مزيج «فخفخينا» لا اسم له. المتوقع أن تستمر عودة الحراك ساعات أو أياماً مع وقف التنفيذ، اذ سرعان ما يعود الجميع إلى سابق الارتباطات بين نخب سياسية تنتظر يوماً تحكم فيه، ومجموعات ثورية تبكي على أطلال التغيير، وجماعات دينية تنتظر أمارات التمكين، وقواعد شعبية تحلم بتوسع قاعدة بطاقات التموين ورعاية فعلية في مجال العلاجات الصحية، وإن أمكن بنية تحتية آدمية، خصوصاً في المناطق العشوائية.

الحياة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.