المهجر
The news is by your side.

كوريسماكى الفنلندى الكبير ينوى تغيير العالم

يستحق الدب الفضى لبرلين السينمائى.. ومخرجه ينوى تغيير العالم
عندما تنتصر جوائز المهرجان السينمائية الكبرى للإنسان، فهى تخلد من قيمتها وتضيف أبعادا أخرى تؤكد أهمية الفن كقوة نتنفس بها فى مواجهة عالم يضيق خناقه حولنا.
وفى مهرجان برلين السينمائى انتصرت بعض جوائز دورته الـ67 للشخصيات الإنسانية الحائرة بين الماضى والحاضر، والتى تعانى من اضطهاد ولم يتوقف طرح السؤال بداخلها، «هل يمكننى أن أغفر للحياة أن تركتنى أعيش حتى ولو على أنقاض أحلام؟».. انتصرت تلك الجوائز لأداء ميلودرامى اعتمد أكثر على الهمس فى اذن ووجدان المشاهد أكثر من صراخه بحوارات ناطقة من الشاشة إلى من يجلسون فى صالة العرض، وكانت تلك الشخصيات والأفلام هى التى حظيت بنصيب الأسد.
من هذه الافلام يأتى «الجانب الآخر من الامل» انتاج المانى فنلندى، للمخرج الفنلندى الموهوب آكى كوريسماكى، الذى انتزع جائزة الدب الفضى لأفضل مخرج من المهرجان وسط ترحيب كبير وصيحات اعجاب.
كان الرهان على العبقرى الفنلندى كبيرا، فهو دائما ما ينحاز للأقليات من البشر ويقدم همومهم واحلامهم فى العيش، بشفافية ولغة سينمائية شديدة الصدق والجمال، فمن منا لم يتأثر بفيلمه «رجل بلا ماضٍ» الحائز عدة جوائز دولية، كما حصل على جائزة الأوسكار كأحسن فيلم أجنبى. غير أن كوريسماكى قاطع حفل الأوسكار فى مارس 2003، احتجاجا على الغزو الأمريكى للعراق. وكان هذا موقفه المعلن، وكذلك فيلمه التسجيلى «برزخ» الذى صوره فى الشيشان، فسينماه تتميز بالجمع بين طابع سينما المؤلف، وهى سينما «نخبوية»، والفيلم الشعبى الذى يتميز بالبساطة ووضوح الرؤية والحميمية، كما تتعامل أفلامه مع المواضيع الإنسانية القريبة من قلوب المشاهدين.
«الجانب الآخر من الأمل» يطرح قضية معاصرة، فالفيلم الذى يجسد حكاية عادية لمعاناة لاجئ سورى اسمه «خالد حسين»، يصل إلى هلسنكى خلسة، على متن سفينة شحن للفحم، ترفض السلطات الفنلندية طلب لجوئه رغم توسلاته وشرح ظروفه، فيقرر البقاء فى البلاد بصورة غير مشروعة مثل العديد من الأشخاص الآخرين الذين يشتركون فى نفس مصيره، كان يعيش فى الشوارع، ويواجه فيها كل انواع العنصرية، وهذا طبيعى، ولكنه أيضا يكون صداقات ويجد السند من نمازج من البشر ربما شعرت بنفس موقفه أقرب إلى التعاطف والفهم الإنسانى المشترك. تعامل كوارسماكى مع قضية شائكة مثل الهجرة غير الشرعية بحس إنسانى مرهف وبمسحة عالية من السخرية فى آن واحد. كان الحوار مباشرا وصادما وملهما داخل صورته المرسومة بواقعية مؤلمة، وفى احد مواقف الفيلم نسمع اللاجئ السورى يقول لأحدهم بالعربية: «أنا كتير حبيت فنلندا، بس إذا بتلاقى لى شى طريقة أقدر أهرب من هدا البلد، بكون كتير ممنون لك». فى صورة توحى قدرة مخرجنا على إثارة السخرية والضحك من خلال موضوع مأسوى كالهجرة واللجوء، فرغم هذا الجو العبثى الغريب، يتميز الفيلم بقدرة كوريسماكى الخاصة المدهشة على استخراج الضحك من قلب المأساة، وتوليد لحظات المرح من قلب اليأس، فهو مخرج ذو نزعة إنسانية، وفيلمه هذا تعبير عن ثقته فى الإنسان، فى التضامن الإنسانى، خاصة بين البسطاء. وكان لإسناده دور اللاجئ إلى السورى شيروان حاجى (٣١ عاما) الذى وصل إلى فنلندا فى العام ٢٠١١، بعدما تعرف إلى فتاة فنلندية فى دمشق، نوع من تأكيد لمصداقيته وقدرته على جعل المشاهد يتفاعل بعالمه السينمائى، بكادره الخانق ووجوهه الحائرة المترددة، وإجوائه الرمادية، الذى ظهرت فى بيئة الشاب السورى خالد حسين فى رحلة هروبه من مدينته حلب بعد ان فقد كل عائلته، ليلتقى بمجموعة من البشر تتساوى احوالهم فى ظروف هزلية حتى وان اتوا من بيئات مختلفة، كـ«ويكستروم» تاجر القمصان الذى ترك زوجته، ويبدأ من الصفر فى مهنة اخرى، والفنلندى هيوبر الذى مل هو الآخر واقعه، ويقامر ويخاطر بمستقبله، فرغم تعنت السلطات الفنلندية مع السورى، وعنصريتهم ومعاملته بقسوة، الا انه يعثر على من يساعده، وهنا تكمن قيمة التضامن البشرى الذى يلعب عليه المخرج الحنون مع شخصياته ويجعلهم ابطالا، مبتعدا عن سينما الخطاب إلى سينما متكاملة وهو يقدم قضية الساعة فى اوروبا، ليدعو كوريسماكى إلى التقاط ضوء يتسرب من الظلام ويعزف مقطوعة حلم بعالم أفضل بحنكة شاعرية السينمائى الواعى سياسيا.
آكى كوريسماكى العائد إلى سينماه بعد ست سنوات انقطاع وتأمل، يقدم على مدى 98 دقيقة عملا هو خليط بين الواقع ومحاولة الهروب منه بأطر ومبادئ انسانية لطالما تعمقت فيها أفلامه التى تتفاعل وما يجرى حوله فى العالم الراهن متأثرا به خاصة، مثل الذى يحدث فى سوريا والعراق وغيرهما من البلدان التى تشهد اوضاعا صعبة، فكانت النتيجة المباشرة توجه العديد من المهاجرين إلى فنلندا لطلب اللجوء.
أعتقد ان المخرج الفنلندى بفيلمه لا ينتهز الفرصة لركوب الموجة «أفلام الهجرة التى تغزو اوروبا ». فهو خارج أى موضة أو صيحة، ويقدم سينماه وفق قواعد ومنطق وجماليات وقيمة سينمائية خاصة به فى رصده حكاية اللاجئ ونقل سيرته إلى الشاشة، حيث قدم تفاصيل حقيقية للاجئ باعتباره إنسانا من حقه ان يعيش ويبحث عن حياة كريمة ويحاول الانتقال إلى الجانب الآخر من الأمل.
فى برلين طرح كوريسماكى سؤاله العميق: «أين راحت إنسانيتنا؟»، ولم ينتظر الاجابة من احد، ليبادر بقوله «انوى بهذا الفيلم أن أغير المناخ المعادى للمهاجرين السائد فى أوروبا، بل وأغير العالم».

الشروق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.