المهجر
The news is by your side.

نحو حرب أهلية طويلة في سوريا

بين الشعب والنظام وتحول إلى حرب باردة – ساخنة بين الدول الكبرى والدول الإقليمية لا يستطيع أحد التحكم بمآلاتها، التي يرجح المراقبون بأنها ستكون مختلفة عن مآلات الانتفاضات الشعبية في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن.

 

لقد فوجئ العالم بالموقف الروسي الصلب الذي شل يدي مجلس الأمن الدولي وأمد، مع الدعم الإيراني والمساندة الصينية، نظام الحكم السوري بالقوة السياسية والعسكرية التي مكنته من مواصلة قمعه بالعنف للانتفاضة الشعبية، كما استفاد النظام من انقسام الدول العربية حول مصيره، ومن تأييد قسم من الشعب السوري له، خوفا مما أو ممن سيأتي بعده، كما استفاد من بقاء القيادات العسكرية (العلوية في أكثرها) إلى جانبه، حتى الآن. ولكن هذا كله لم يضع حدا للمظاهرات الشعبية ولا للمقاومة المسلحة ولا لمراهنة الدول الأوروبية الكبرى والولايات المتحدة ودول عربية وإسلامية هامة على سقوطه بشكل أو بآخر. رغم أن هذه الدول لم تقرن مراهنتها بأي تدخل عسكري حاسم.

إننا نكتب هذا المقال في الوقت الذي يطالب فيه كوفي عنان بإشراك إيران – ولماذا ليس العراق التي عرج عليها قبل التوجه إلى نيويورك – في المؤتمر الدولي لحل الأزمة السورية، وفي الوقت الذي تقترح فيه روسيا على المعارضة السورية عقد مؤتمر في موسكو مع ممثلي النظام السوري، وبعد أن تكشفت عدة خلافات في صفوف المعارضة السورية داخل سوريا وخارجها، وبعد أيام من زيارة الرئيس الروسي بوتين إلى إسرائيل – وهي زيارة ذات دلالة وأبعاد لم يتوقف عندها المراقبون كما يجب – والسؤال هو: هل ستنجلي هذه الغيوم وتتجه الأمور نحو حل ربيعي عربي آخر؟ أم أن الكلمة الأخيرة ستكون لروسيا وإيران والرئيس السوري وقواته المسلحة؟ وهل من السهل على الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية والإسلامية والشعب السوري ابتلاع هذه الهزيمة؟ وما هي حقيقة موقف إسرائيل مما يجري في سوريا، والجميع يعرفون أن مصلحة إسرائيل ورأيها لهما ما لهما من تأثير على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط!

إن وراء التصلب الروسي أسبابا تكتيكية وأخرى استراتيجية، من مناوأة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط، إلى استعادة دور الاتحاد السوفياتي سابقا فيه، إلى المصالح الاقتصادية والعسكرية في سوريا، إلى خوفها من امتداد الموجة الإسلاموية من الشرق الأوسط إلى القوقاز والشيشان والجمهوريات الإسلامية السوفياتية سابقا، إلى الحنين الروسي – الأرثوذوكسي للدور الديني القديم الذي قامت به في زمن الإمبراطورية العثمانية، كوريثة للإمبراطورية البيزنطية وكحامية للأرثوذوكس في العالم.

أضف إلى ذلك إدراك موسكو بأن يدي الرئيس الأميركي مكبلتان نوعا ما في هذه السنة الانتخابية، وأن التدخل العسكري الأميركي والأوروبي غير وارد بعد تجربتي العراق وأفغانستان.

من هنا بات الكثيرون يعتقدون بأن حل المحنة السورية سياسي ودولي بامتياز، لا بنتائج المواجهة بين شعب منتفض على نظام سلطوي، وبالتالي مختلف عما آلت إليه الأمور في الدول العربية الأخرى.

ولكن هذا المنطق تطبيقه يحتاج إلى اقتناع وموافقة الطرفين الأساسيين في النزاع، أي النظام السوري الحاكم والمعارضة – المقاومة السورية. وكل شيء حتى الآن يدل على أنهما غير مقتنعين أو مسلمين به، وأنهما ماضيان بالقتال والتقاتل، وأن الأطراف الدولية والإقليمية الداعمة لكل منهما مستمرة في دعمها. وأن سوريا متجهة نحو الحرب الداخلية بخطى واسعة.

لقد تكدست واختلطت في المجابهة والقتال الدائرين في سوريا العوامل الداخلية بالنزاعات الإقليمية وبالمصالح الدولية، بحيث بات من الصعب جدا إمساك طرف خيط فك شباك هذه المعركة، إن لم نقل هذه الحروب الصغيرة والكبيرة، الساخنة والباردة الدائرة على أرض سوريا وعلى مستقبلها السياسي، والرهان الحقيقي لم يعد عمن سيكسب المعركة، بل عن الثمن الذي على كل طرف فيها أن يدفعه لكي يتراجع الطرف الآخر عن موقفه. هل تكون صفقة أميركية – روسية جديدة؟ أم مؤتمر دولي؟ أم تصعيد المجابهات إلى تصعيد الأمور إلى حرب أهلية تغذيها دول إقليمية وخارجية كبرى، على غرار الحرب الإسبانية الأهلية في الثلاثينات من القرن العشرين؟ وهل تمتد شراراتها إلى دول أخرى في المنطقة؟

إن سيناريوهات تغيير الأنظمة التي عرفتها تونس ومصر وليبيا واليمن غير مرشحة للتطبيق في سوريا طالما أن القسم الأكبر من قيادات الجيش السوري ما زالت موالية للنظام. وما دامت روسيا والصين تدعمان هذا النظام وتمنعان مجلس الأمن من القيام بدور أكثر تأثيرا عليه.

ولكن الأمور ستتغير إذا تغير موقف القيادات العسكرية – أو حدث انقلاب عسكري – أو إذا غيرت أو لينت موسكو وبكين موقفهما.

وفي انتظار كل ذلك يستمر سفك الدماء وقصف المنازل وتنجرف سوريا كل يوم أكثر نحو الحرب الأهلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.